جعفر آل ياسين

37

الفارابي في حدوده ورسومه

من هذه الصورة المكثّفة الموجزة التي قرّرناها عن طبيعة الحدود ودلائلها عند أبي نصر ، نلمس التأثير الواضح الذي طبع به الفيلسوف مواقف ابن سينا في نظرية التعريف التي بسطناها من قبل ، رغم أن الأخير منهما أسهب في الكلام عليها تفصيلا وتنظيما وتحديدا ، بما فاق به جميع فلاسفة الإسلام من الخلف والسلف على السواء ! . * * * أمّا بعد ؛ فما ذا نأخذ وما ذا ندع من هذه الموسوعة الفلسفية الضخمة التي أورثها الفارابي أجياله ومحبيه ؟ . ذلك هو الخيار الصعب الذي حاولنا أن نضع أنفسنا أمامه وجها لوجه في تحقيق الإجابة عنه . فمخضنا ، بعد أن صحت العزيمة منّا ، ما بين أيدينا من تراث أبي نصر المخطوط منه والمطبوع ، فكانت الولادة الجديدة لهذا العمل الجديد ، وكان الوليد هذا - بكل مخائله وشمائله . . لا يعدو لغة أبيه الفارابي وسلامة لسانه ودقة عبارته : مختارة كانت ، أم مستقلة ، أم متلاحمة ، ممّا صاغه الفيلسوف في ثنايا أعماله وبنات أفكاره . ونحن لا نستبعد أنّنا تجاوزنا ، أحيانا ، قواعد التعريف والحدود إلى ما يشبه الوصف اللفظي من خصائص الشيء ومميّزاته . وكان الغرض من كلّ ذلك أن نقرّب مواقف الفارابي للباحثين ؛ كي يبدو من خلالها أنّه حقا فيلسوف المعاني والألفاظ ، لا ينازعه في ذلك منازع من المفكرين في الإسلام . . ولست في تجاوزي هذا ابتعدت كثيرا عن مفهوم نظرية التعريف بما ندركه في العصر الحاضر من أنها عملية توضيح كلمات ، سواء كان هذا التوضيح رياضيا أو لغويا أو سيما نطيقيا . وإنني لا أدعي لنفسي بلوغ الكمال في عملي هذا ، ولكنه جهد المقلّ ، وجهد المقلّ عزيز على نفس صاحبه ؛ لما يتميّز به من اخلاص ونفاذ رؤية ودقة تمحيص . . ولم يخل الطريق من مصاعب ومتاعب ، ولكن صاحبي ورفيقي الفارابي كان يعبق بروحه ويشيع حوالي نور بصيرته ، ففتح بذلك معالم